الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
110
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
عنهم ، فكان الشيطان يجيء فيحرّك أغصانها ، ويصيح من ساقها صياح الصبي : أن قد رضيت عنكم عبادي ، فطيبوا نفسا ، وقرّوا عينا . فيرفعون عند ذلك رؤوسهم ويشربون الخمر ، ويضربون بالمعازف ، ويأخذون الدستنبد ، فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم ثمّ ينصرفون . وإنّما سمّت العجم شهورهم ( آبانماه ) و ( آذر ماه ) وغيرهما اشتقاقا من أسماء تلك القرى ، لقول بعضهم لبعض : هذا عيد شهر كذا ، وعيد شهر كذا . حتّى إذا كان عيد قريتهم اجتمع إليها صغيرهم وكبيرهم فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقا من ديباج عليه من أنواع الصور ، وجعلوا له اثنتي عشرة بابا كلّ باب لأهل قرية منهم ، ويسجدون للصنوبرة خارجا من السرادق ، ويقرّبون لها الذبائح أضعاف ما قرّبوا للشجرة التي في قراهم ، فيجيء إبليس عند ذلك ، فيحرّك الصنوبرة تحريكا شديدا ، ويتكلّم من جوفها كلاما جهوريا ، ويعدهم ويمنّيهم بأكثر ممّا وعدتهم ومنّتهم الشياطين كلّها ، فيرفعون رؤوسهم من السجود ، وبهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون ولا يتكلّمون من الشرب والعزف ، فيكونون على ذلك اثني عشر يوما ولياليهم بعدد أعيادهم سائر السنة ، ثمّ ينصرفون . فلمّا طال كفرهم باللهّ تعالى بعث اللّه تعالى إليهم نبيّا من بني إسرائيل من ولد يهودا بن يعقوب ، فلبث فيهم زمانا طويلا يدعوهم إلى عبادة اللّه تعالى فلا يتبّعونه ، فلمّا رأى شدّة تماديهم في الغيّ والضلال ، وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد ، وحضر عيد قريتهم العظمى ، قال : يا ربّ إنّ عبادك أبوا إلّا تكذيبي والكفر بك ، وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضرّ ، فأيبس شجرهم أجمع ، وأرهم قدرتك وسلطانك . فأصبح القوم وقد يبس شجرهم ، فهالهم ذلك وصاروا فرقتين : فرقة قالت سحر آلهتكم هذا الّذي زعم أنهّ